محمد بن الطيب الباقلاني
4
إعجاز القرآن
ما كان لأصل دينهم قواما ، ولقاعدة توحيدهم عمادا ( 1 ) ونظاما وعلى صدق نبيهم ، صلى الله عليه وسلم ، برهانا ، ولمعجزته ثبتا وحجة ( 2 ) . ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق ، شديد النفاق ( 3 ) ، مستول على الآفاق ، والعلم إلى عفاء ودروس ، وعلى خفاء وطموس ، وأهله في جفوة الزمن البهيم ( 4 ) ، يقاسون من عبوسه لقاء الأسد الشتيم ( 5 ) حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه ، والاخذ في سبله . / فالناس بين رجلين : ذاهب عن الحق ، ذاهل عن الرشد ، وآخر مصدود عن نصرته ، مكدود في صنعته . فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين ، في أصول الدين ، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين . وقد قل أنصاره ، واشتغل عنه أعوانه ، وأسلمه أهله . فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه ، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره . فمن قائل قال : إنه سحر ( 6 ) ، وقائل يقول : إنه شعر ( 7 ) ، وآخر يقول : إنه أساطير الأولين ( 8 ) ، وقالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ( 9 ) . إلى الوجوه التي حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه ، وتكلموا به ، فصرفوه إليه . وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الاشعار ، ويوازن
--> ( 1 ) م : " عصاما أو " ( 2 ) ا : " حجة وتبيانا " ، م : " وحجة لمعجزته وتبيانا " ( 3 ) الرواق : الفسطاط . النفاق : الرواج ( 4 ) البهيم : الأسود ( 5 ) في اللسان 15 / 211 : " أسد شتيم : عابس " ( 6 ) قال تعالى في سورة سبأ 43 : ( وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم : إن هذا إلا سحر مبين ) ( 7 ) قال تعالى في سورة الأنبياء 5 : ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ) ، وقال في سورة الصافات 36 : ( ويقولون : أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) ( 8 ) قال تعالى في سورة الفرقان 5 : ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) ( 9 ) قال تعالى في سورة الأنفال 21 : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا ، لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين )